انتيهت مؤخرا من كتاب ( سيرة ذاتية وأسئلة لا مفر منها) للمفكر المناضل علي عزت بيغوفتش .. إن هذا الكتاب - بالرغم من صفحاته التي تتجاوز (700) صفحة - من ذلك النوع الذي لا تتمنى أن ينتهي إطلاقا وأنت تقرأه .. يتحدث في الكتاب عن طفولته .. عن قريته الجميلة .. وذهابه لصلاة الفجر متكاسلا .. عن تأثره بوالديه وبأمه الورعة التي يعود لها الفضل في تدينه .. و بأبيه صاحب الشخصية القوية الذي يستمع له الجميع .. عن دراسته و كيف كان يترك الدرس النظامي من أجل أن يقرأ .. وعن هروبه من التجنيد .. مما يعني بوادر شخصية متمردة .. و حين صار شابا يافعا كيف دخل غمار السياسة وهو شاب .. حيث التحق بجمعية الشبان المسلمين التي أسسها اثنان من طلبة الحسن البنا الدارسين في الأزهر .. لقد التحق بالجمعية وهو لم يتجاوز السادسة عشر من عمره ! وسجن وهو ابن 21 سنة ! مما يعني أنه خاض غمار السياسة حتى العمق وهو شاب طري العود .. مما يعني أيضا أن هذا الشخص مثقل بأفكار في رأسه .. وهموم في نفسه دفعته لكل هذا .. وإلا مالذي يدفع شابا لمثل هذه المعاناة لو لا الأفكار التي امتلأ بها ؟..
يتحدث في الكتاب عن أزمة البوسنة ، وعن الإبادة العرقية لهذا الشعب المسلم ، وكيف كان الغرب متحيزا كثيرا للصرب وأنه وبعد أن يمر تاريخ على المجزرة ، سيخجل المجتمع الدولي من تصرفه تجاهها .. (إنني أبذل كل جهدي على أمل تقليص حجم تفاهة وسخرية الديبلوماسية الدولية) يتحدث لك عن مقاومة شعب .. عن عزة هذا الشعب البوسني وأنفته .. عن الحرب والسلم والتفاني والصلابة المنقطعة النظير .. وكيف أنهم كانوا يقولون له في خضم الحرب : ( سيدي الرئيس عزت .. ليس لدينا طعام ولا مال .. لكن نرجوك .. لا تدع الصرب يفلتون دون عقاب) إنه شعب أبي حقا ،، يتحدث كيف تعامل الغرب معه بتحامل ، وكيف كانوا يخبرونه في خضم الحرب والإبادة بكل صلف بأن عليه أن يفاوض وأنه لا حل لك إلا أن تفاوض .. يسأل نفسه ( أفاوض من ؟ أفاوض القتلة؟) لم يكن هذا ممكنا بنظره .. على الأقل ليس هو الحل الوحيد .. لذ أصر على القتال وأنشأ هو وحزبه ( حزب العمل الديمقراطي) جيشا من لا شيء .. وخيرته الأمم المتحدة بين رفع حظر الأسلحة المفروض على البوسنة فقط ، وليس على الصرب ، وبين أن يتم سحب جميع القوات الأممية من المنطقة .. وكيف أنه قاوم كل هذا العتوّ والخنق الغربي له ، قاومه بحفر خندق كبير تحت الأرض وطويل .. يتم فيه تهريب الأسلحة والمواد الغذائية .. كان يقول (شيء واحد لم أرِدْه وأردته في وقت واحد .. هو وجود قوات أجنبية في بلادي .. إنهم يجيئون حماة في البداية لكنهم سرعان ما يسيطرون ويصبحون السادة)
يحدثك كيف كانت تتم المفاوضات الطويلة المملة القاتلة .. كعملية إرضاخ .. ويبتين لك كيف كان سياسيا محنكا يقول عن نفسه (نحن من الناس الذين لا يمكن خداعهم) .. لقد عرفتُ من هذا الكتاب .. أن المفاوضات الكلامية أصعب كثيرا من المعارك بالسلاح (لقد قمت في حياتي بأعمال كثيرة جدا ، حفرت الأرض وقطعت الخشب ، وأدرت مواقع انشاء ، وكتبت مقالات وصرت مندوبا في المحاكم ومازالت أصعب مهنة لدي هي المفاوضات ، وأن تفاوض يعني أن تقرر واتخاذ القرارات هو العمل الأصعب) .. ويقول بعد اتفاقية دايتون متحدثا عن صعوبة القرارات المتخذة (لم أكسب سلاما مرضيا ولم أستطع كسب حرب مرضية .. لقد كانت معضلاتي صعبة لدرجة شعرت أنني مصلوب) .. (لقد كنا بين نارين حرب غير عادلة أو سلام غير عادل) .. لقد كانت خياراته كلها صعبة .. وكلها مفصلية .. وكلها مدمرة لو كان خيارا خاطئا .. ولكنه كان كلاعب الشطرنج المحنك الذي يلعب بالحصان .. حيث الحركات بطيئة ولكنها قاتلة .. والأوراق قليلة جدا ولكنها مصيرية وكان مفاوضا من الطراز الرفيع ( لقد كانت مفاوضاتي مع الصرب كحوار الطرشان .. خصوصا لقائي مع ميلشوفتش و من معه .. كنت أحاور لوحدي .. واحد مقابل اثنان .. لكن على الأقل استطعت انهاء المفاوضات بالتعادل) .. لم يخلط هذا الرجل السياسي المحنك في خضم الحرب .. بين أمانيه .. وبين الواقع .. يعرف جيدا الفرق بين ما يود أن يكون .. وما يمكن أن يكون ، يقول (إنه ينبغي على المرء في السياسة أن يعد قائمة بما هو جيد ومرغوب ، ثم يقوم بشطب كل ماليس بواقعي ، .. ، لا شي عديم الجدوى في السياسة مثل الحديث عن أفكار رائعة لكن لا يمكن تحقيقها ، إن المثاليات هي للأدباء والشعراء .. ولكن قوانين السياسة قوانين مختلفة) .. ويقول (إن الديبلوماسية والقوة على طرفي نقيض ، فكلما كانت لديك قوة ، كلما قلت حاجتك للديبلوماسية وفي الحالات الاستثنائية إذا ما كنت في دولة عظمى فأنت لا تحتاج إلى أي نوع من الديبلوماسية) مما يعني أنه رحمه الله - بحكم دولته المنكوبة - كان يحتاج إلى كل أنواع الديبلوماسية! على أن هذه الديبلوماسة الفذة التي يتمتع بها ، لم تكن عائقا من اعتماده منطق القوة والرد العسكري (لربما كان بمقدورنا تجنب الحرب لو طأطأنا رؤوسنا ولكن لأننا لم نتمكن من فعل ذلك ، فقد سرنا نحو مصيرنا .. نحن أصحاب أنَفَه .. كلنا قلنا لا) .. ( لن نسمح لأحد بإخضاعنا .. نحن نحب الحياة كما يحبها الجميع ) .. (الحرية كفاح مستمر يخسر فيه الأضعف .. ولسنا ضعفاء .. لذا ينغبي أن لا نخسر المعركة) .. لقد كان يعرف منطق القوة وأثره لذا قال (مع كل جهودنا الديبلوماسية ، كنا متأكدين أن مصيرنا ستحدده أرض المعركة) .. (نفاوض حيث أمكن ونقاتل حيث يجب) إنها عبارات عميقة يتضح فيها مدى عمق صاحبها وأخذه كافةَ وسائل الكفاح .. إنه سياسي محارب حقا .. يحدثك كيف كان يسهر يومين وثلاثة وهو في اجتماعات متلاحقة .. ومفاوضات لا تنتهي .. إبّان محادثات دايتون ، وكان هذا التعب هو الذي تسبب له بذبحة صدرية بعد ثلاثة أشهر ! إن ما يلفت النظر في سيرته رحمه الله ، الصلابة منقطعة النظير في أحلك الظروف .. والتماسك النفسي في أحدّ الأوقات خطراً .. ورباطة الجأش في أشدّ الظروف توترا .. في الحقيقة لم يُبعد ريتشارد هولبروك - عرّاب اتفاقية دايتون- حين وصف علي عزت بقوله (كان هذا الرجل ذو السبعين خريفا يرى السياسة كفاحا مستمرا بعد قضائه ثماني سنين في سجن تيتو ، وصموده أربع سنوات في وجه هجمات الصرب ، لقد كان في عينيه نظرة باردة وبعيدة ، وبدت عيناه وكأنهما لا تكترثان ولا تتأثران بالآم الآخرين ومعاناتهم) إن التماسك الرهيب الذي يبديه علي عزت في كافة الظروف والكوارث ، إنما هو نوع من السيطرة وضبط النفس ، فقط لأجل التفكير في القضية بكامل أبعادها ، وليس من عدم تأثر أو رحمة في قلبه ، لذا تجده يعترف أكثر من مرة وفي أكثر من مقابلة بأنه لم يخطأ خطأ استراتيجيا واحد في القضية البوسنية ، إن صلابة نفسه ناتجة عما تحتاجه القضية فكما قال (نحتاج الكثير من العقل والقليل من العاطفة .. والكثير الكثير من الصبر) ! ولا يمكن أن يكون ذلك القاسي ، كيف وهو بعد ما انتهى من اجتماعات مضنية وشاقة متواصلة لمدة أسابيع في روما بخصوص قضية البوسنة في أعقاب اتفاقية دايتون يقول (عدت إلى سراييفو في أواخر شهر رمضان قبل العيد بيوم واحد ، وبعد أن صلينا العيد ، صافحت ألف فرد على أقل تقدير ، وتحدثت مع نزلاء مستشفى الشلل ، والحديث معهم حديثٌ مع أناس لا أمل لهم في الحياة .. وكنت هناك لأكثر من ساعتين وأصغيت لقصصهم واحدا واحدا ، ثم ذهبت لزيارة مقبرة الشهداء .. واستمعت لقصص الأمهات والزوجات أقاربِ الشهداء .. ) ثم يتحدث عن جدوله بقية المساء .. ومدى تعبه لكثرة التنقل .. وفي اليوم التالي مباشرة .. يصاب بذبحة صدرية !
يتحدث عن شعبه .. بأنه خُير بين سلام غير عادل .. وحرب غير متكافئة .. وكيف اجتاز بشعبه هذه المحنة وأن أوروبا لم تكن مستعدة لتقبل الحل الإسلامي في صلب القضية .. ويخبرك أن مرحلة السلم بعد الحرب .. أخطر من مرحلة الحرب .. لأن المريض له غاية واحد .. هي أن يشفى من مرضه .. ولكنه حين يُشفى .. تتوالى رغباته وغاياته ! وهكذا كان شعبه في الحرب .. يبحث عن السلم فقط .. فلما جاء .. أصبح يبحث عن أشياء كثيرة ! وقد رفض اعتماد الدولار كعملة مؤقتة لستة أشهر ، حتى تنحل القضية ، ولكنه رفض رفضا قاطعا قائلا (هذا يؤمرك المنطقة بكاملها ، وهذا لا نرضاه أبدا) .. لقد كان مأخوذا بالحرية والانعتاق التام له ولشعبه وحُق له .. فقد كان يقول لنفسه وهو صغير (الإسلام الذي أفهمه لا يمكن أن يرضى بالحال الذي نعيشه) !
إن شخصية علي عزت بيغوفتش السياسية ليست بمعزل عن شخصيته الثقافية .. ولا أدري هل كان مناسبا أن أقرأ سيرته أولا ثم أقرأ كتابه ( الإسلام بين الشرق والغرب) أم العكس ؟! وكلا الأمرين لا يخلو من فائدة .. فهو رجل استصحب مبادئه في جميع مراحل حياته السياسية (نحن نقاتل من أجل أن نبقى على المستويين الروحي والجسدي ) .. وتجده يقول (على العموم ليس هناك عباقرة أو رجال تعجب فيهم بشكل خاص في السياسة ، إن العبقارة الحقيقيين هم رجال العلوم والآداب ، أما السياسيون فإن كل واحد منهم متوسط العبقرية سواء منهم الصغير أو الكبير ، أما الأطماع والأهواء فهما الأمران الوحيدان اللذان يتميزان عند السياسيين بالتضخم) إن فلسفته عن الإيمان بالقضاء والقدر التي تحدث عنها في كتاب ( الإسلام بين الشرق والغرب) .. هي بلاشك .. ما جعله صلبا في حياته السياسية .. صلابة تتأبى على الذوبان لا على المرونة ! إنه ذلك المثقف الذي قرأ كثيرا جدا من الأعمال الفلسفية الأوروبية وهو ابن ثمانية عشر سنة ولم يعجبه هيجل حينها كما يقول ، وتخصص في القانون بعد ثلاث سنين من دراسته لعلوم التربة يقول (لقد كان القانون طموحي منذ كنت شابا ، .. ، لم يكن القانون مجرد مهنة لي وإنما كان تصميم وإيماني وبعض من فلسفة حياتي ، فقد آمنت دائما أن ما يدعوه الآخرون بحق الأقوى ، ليس بالحق ولا العدل ، .. ، هذا ما كنت وما سأبقى مؤمنا به) وإن من ما لفت نظري في الكتاب .. لغته الهادئة حتى حينما تحدث عن خصومه وألدّهم ميلشوفتش .. إنك تقرأ الكتاب من أوله إلى آخره .. لاتجد فيها التشنج ولا الكلمات المنفوخة الخطابية بلا معنى التي نعهدها من كثير من الكتاب ... إنك لتستغرب هل يتحدث عن أعدائه أم أصدقائه .. لشدة هدوءه وحياديته .. قارن هذا ببعض الكتاب الذين يكتبون بالأسلحة لا الأقلام حروفاً من رصاص .. وقصارى شأنهم لا يعدو مسألة قابلة للأخذ والرد ! لقد كان رحمه الله بعيد النظر ( لقد تكهنت بأشياء كثيرة سيئة ، وللأسف حصل كثير مما تكهنت به) ذكيا واقعيا ( نحن أمام خيرا صعب : دولة واحدة وكيانان وثلاث شعوب) .. متمردا في الطفولة .. صبورا .. قوي إرادة .. متطلعاً .. وإن سيرته الذاتية .. فيها من العبر الشيء الكثير والعميق .. فهو أوروبي صميم .. ومسلم صميم .. ومثقف صميم .. وسياسي صميم .. ومجاهد صميم .. وقلما تجتمع هذه .. لذا فهو عملة نادرة .. وهذا ما يجعل سيرته وكتبه مهمة لكافة الأطياف .. لقد كانت الحرية هاجسه .. الحرية ضمن مبادئه .. مبادئه التي يستطيع أن يعيش من خلالها مع العالم الأوروبي ولا يفقدها .. لذا تجده يؤكد كثيرا على أننا يجب أن ننافس لا أن ننعزل .. أن نقاوم .. لا أن ننخذل .. أن نستفيد منهم لا أن نقاطعهم .. من طرائف الكتاب ، حين تحدث عن جاك شيراك يقول : ( قد كان شيراك على النقيض التام لسلفه فرانسوا ميتران ، .. ، أما شيراك فقد كان دائم الحراك ، وينظر في عينيك مباشرة في محاولة لإقناعك بما يقول ولذلك أخبرته مرة أنه ليس ديبلوماسيا ، فأطبق صامتا ! فسارعت إلى شرح ذلك بأن هذا ثناء فحسب، فابتسم ابتسامة عريضة) وأنه حين قابل الملاكم محمد علي كلاي في أمريكا وظهر في التلفاز وهو معه .. فلما عاد إلى البوسنة .. كان من سأله عن لقاءه مع كلاي أكثر ممن سأله عن لقاءه مع بيل كلينتون .. وأن خصمه الألد ميلشوفتش كان دائما ثملا أو شبه ثمل ! يقول رحمه الله : ( إنني أعيش في شقة من غرفتين ، وهي ملك للرئاسة البوسنية ، دون خدم ولا بذخ .. ولا أمتلك أي شيء سوى ممتلكات بدائية ، وليس لأولادي ممتلكات كذلك ، سوى شقق بسيطة وأثاث متواضع .. وهو ما يمتلكه نصف المواطنين في سراييفو) هذا رئيس جمهورية البوسنة ! لقد كان الرجل يعيش من أجل مبادئه وشعبه .. لا من أجل نفسه وسلطته .. (السلطة الفاسدة تخدم نفسها)
وفي آخر المذكرات .. يتحدث حديثا يفيض ألما وانسانية وفلسفة .. .. فبعد مفاوضات طويلة .. ومعاناة مريرة .. ولحظات كان الموت أقرب فيها من كل شيء وبعد عمر مديد من الحياة السياسية .. وسنوات من الضنى والجًهد والتصميم والألم .. آن للفارس أن يترجل عن حصانه ويرتاح من أشواط الحياة التي لا تنتهي .. يتحدث عن رغبته في الاستقالة بعد أن وصل الخامسة والسبعين ويحدثك عن رجوعه للبيت ويتعجب كيف بعد دورة العمر الطويل .. يعود إلى بيته بجانب مدرسة طفولته وباعة البوظة وصراخهم ولعب الأطفال وضحكهم.. يتذكر عناءه مع الشيوعية في صباه .. ويتحدث حديثا لا تملك عينك معه .. يقول في آخر سطر من سيرته ( لو عُرضت علي الحياة مرة أخرى لرفضتها لكن لو كان علي أن أولد من جديد .. لاخترت حياتي) .. إنها عبارة رجل سأم حـِمل الحياة ويريد أن يستريح .. وبعد فرحمك الله أيها المجاهد المثقف .. إنني خجِلٌ حقا .. أنني لم أعرفك منذ زمن ،،
وإن سيرته فتحت لي كثيرا من الأسئلة .. ككل كتاب مهم وعميق .. تقرأه لتبحث عن أجوبة .. فيفاجئك بمضاعفة الأسئلة .. فتستمر في قلقك المعرفي !
|