في آخر حلقات البيان التالي على قناة دليل الفضائية، تدار دفة البرنامج بإمكانات متواضعة جدا، ومحصورة
غالبا في تأزيم التناطح بين فريقي صراع، هو هو، منذ أطل مقدمه على الشاشة، وغاب عنه مشكلات الوطن والمواطن، التي هي بحاجة إلى دراسة وعناية واهتمام جاد.
كم خصص البرنامج من وقت للحديث عن البطالة والفقر والأخطاء الطبية والأخطاء الاجتماعية وسرقات المال العام والمشاريع الضائعة وغيرها، ولكن نظارة المذيع مخدوشة لا ترى إلا الأزمة بين الإسلاميين والليبراليين.
وقد أبانت آخر حلقة عن أشياء، أهمها:
1. أن هذا الوطن الكبير ابتلي بمن يقسمه إلى إسلامي وليبرالي وغيرها من التقسيمات الفجة، ومن سمح لكم أن تقسموا أبناء المجتمع الواحد، وأن تضربوا بعضه ببعض، وأن يسعى كل لاستمالة جماهير الناس، ما هذه العقول المأزومة بحب الخلاف والاختلاف، ثم تتقيأ هذا الاختلاف على شاشات القنوات ليحترب أبناء المجتمع الواحد، ويخرج الخلاف من مكانه ودائرته الحقة إلى تراشق التهم وصناعة الكراهية والحقد.
2. كشفت الحلقة وسابقاتها عن خوف مريع من كل صاحب لحية أو فكرة إسلامية، ولو كانت صائبة مائة بالمائة، ومن صاحبها، كما كشفت عن خوف الإسلاميين من كل فكرة ممن يخالفونهم الرأي، ولو كانت صائبة مائة بالمائة، وضاع المجتمع بين هذا وذاك.
كيف يتشكل لنا جيل ناجح مثابر متقدم، وهو يرى رجلين يتناطحان حول لا شيء، ليضحك الناس عليهما، ولتنتقل متعة المصارعة بالأجسام إلى "المصارخة" بالكلام، ولكن من دون متعة..
3. حين تشاهد أطراف الحلقة، تجد ثلاثة أجسام، توهمك أنهم يبذلون جهدا كبيرا بلا نزاع حقيقي، وإنما هي كراهية كل للآخر. إنك لا تشاهد عقلا حين تشاهد "الزلفة"، يتغزل بالمرأة ويعبر عن شهوته أمام الناس بشكل صارخ متناه في البله والحمق، كما أنك لا تشاهد عقلا حين يرافع "العواجي" عن رأيه بأبيات الكبر والعنجهية الفرزدقية، ثم يتبعها بالمسجوعات المنبرية، فيرجع إليك الطرف خاسئا وهو حسير، حين تصطرع الأجسام لا العقول، ثم لا فائدة
4. يحق للإسلاميين، كما يعبر أطراف المهزلة الإعلامية (البيان التالي)، أن يستريبوا من شأن بعض الطوائف، كالشيعة، كما يلمزهم الليبراليون (وكما يعبرون أيضا)، إذ إن الدعوة إلى الانفصال من هذا الوطن الكبير لم تخرج إلا من أفواههم، فلذلك يستريب كل الناس من ذلك، وليس هذا خاص بالإسلامي وغير الإسلامي، لا شأن له، إنها قضية تؤرق كل مواطن شريف في البلد.
وأما توجس الناس من دعوات البعض عن المرأة، فقد كشف عن سبب ذلك وهو لا يشعر، المفكر المؤرخ "الزلفة"، حين يتغزل بالمرأة أمام الناس، فماذا سيفعل لو أنها معه! بعد انحطاطه أمام شهوته من دون ستر أمام الناس.
5. من قال بأن الإسلاميين ليسوا تنمويين هم مثلهم، مثل سائر الناس في المشاركة في حياة الناس وفي تطورهم هم جزء من هذا المجتمع، منهم من يسهم في عجلة التنمية والتطور والنهضة والبناء، كسائر خلق الله، كما في طبقات المجتمع.
6. لا يقف الدين والتدين عائقا أمام التطور والنهضة، هؤلاء الهنود عباد البقر، على ضلالة من دينهم، ثم سبقوا جميع العرب، الليبرالي المتطور(النهضوي...التنموي...المتقدم...) وغير المتطور (الإسلامي...الرجعي...المتخلف)، إن صحت القسمة.
7. ما هذه الحدية في الطرح والقسوة في الأحكام على الآخرين، واتهامهم، إن لم تكن ليبراليا فأنت متخلف رجعي ضد التطور، وإن لم تكن إسلاميا، فأنت ليبرالي علماني، أعوذ بالله، إنني مسلم وكفى.
8. تكشف هذه البرامج الحوارية عن صفة ذميمة في الرجال، هي من أقبح الخصال في الرجال، الكذب والتهم بلا دليل، فقد ساق "الزلفة" من الأكاذيب على أعدائه، ما يستغرب كثيرا، ثم صدق كذبته، فبنى أحكامه على كذبته، وإلا فمن يحرم الورود!!! والترويح البريء!!!
9. ما هذه المزايدات على المواطنة وصدق الولاء لحكام البلد، فكلا الطرفين يستشهد بقضايا بعيدة عن مكان النزاع ويشكك في صدق انتماء الآخر ويقذفه بما ليس فيه، مما تنكشف معه عقليات المتحاورين، بل ما وراء ذلك.
010 كنت أتمنى أن نشاهد شيئا غير والسب والتهارش اللساني، يليق بقناة دليل، إن أرادت أن يكون لها تميز في هذا الضجيج الإعلامي الصاخب. كنت أتمنى أسمع عن تأخير المعاملات في المحاكم ومعاناة المواطن في ممراتها. كنت أتمنى أن أسمع شيئا عن تعسف مرسول البلدية للكشف عن منزلي الذي أفكر سكناه. كنت أتمنى حديثا حول جشع "شريطية" العقار والأسعار الخيالية الجنونية للعقار. كنت أتمنى أن أعرف لماذا الكتاب في الصحف، إما كاتب قديم جاء قبل التصنيف، وإما كاتب من أحد أطراف النزاع فقط، كأن الصحافة تخاف الآخرين، فأين الحرية.
هذه مشكلتي كمواطن أحب البرامج الحوارية، ثم لا أجدها تتكلم عن همومي ومشكلاتي، لعلها تذكر من نسي (لا أتبنى المصطلحات المذكورة في المقال، وإنما جريا على ما في الحلقة).
بقلم / محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله الأحمري
المصدر / مجلة العصر
|