فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في شقي العقيدة المدني والروحي من أهم فرائض الإسلام وتحقيقه يستلزم حرية التجمع، وهذا معنى الآيات الكريمة " وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر" و " لتكن منكم امة يدعون إلى الخير" وقوله صلى الله عليه وسلم " من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه " وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الذي رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة ، في العسر واليسر والمنشط والمكره ، وعلى أثره علينا ، وان لا تنازع بالأمر أهله ، إلا أن تروا كفرا بواحاً عندكم من الله فيه برهان وعلى أن تقول الحق أينما كان لا تخاف في الله لومة لائم" ( أخرجه البخاري ومسلم) ، فصار من صفات المواطن الصالح في الإسلام أن يشارك في الشئون العامة ، وقد نص الفقهاء كالنووي على أن ظلم الدولة الممنهج من الكفر البواح.
واعتبر رسول الله صلى الله عليه وسلم ترك إعلان الرأي دلالة على رضا الإنسان بالهوان وتقبل الاحتقار ، فقد روى أبو سعيد الخدري رضي الله عنه ، قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم " لا يحقرن أحدكم نفسه ، قالوا: يا رسول الله وكيف يحقر أحدنا نفسه ؟ قال : يرى إن عليه مقالاً ، ثم لا يقول بت ، فيقول الله عز وجل يوم القيامة : ما منعك إن تقول في كذا وكذا ، فيقول خشية الناس فيقول : فإياي كنت أحق أن تخشى " ( رواه ابن ماجه ) .
وحق الجماعات في مراقبة الحكام ونصحهم ونقد تصرفاتهم يستلزم ضرورة تمتع الإفراد والجماعات بحرية الاجتماع والتجمع . إن القيم المعتبرة فى كل أمة قوية إنما هي متقررة فى الشريعة المطهرة .
العدل أساس الحكم ، والشورى هي حوض العدل ، والحرية هي هواء الشورى، والتجمعات المدنية هي مصدات رياح الأهواء والسدود أمام الطغيان وتقرير مبدأ الشورى وما يترتب عليه من مناقشات يستلزم أيضا حرية التجمع ، فلا يمكن تطبيق الشورى من دون حرية تجمع ، ومن الخطل إن يتصور احد قيام الشورى ، دون حرية الرأي أولا وحرية التجمع ثانيا.
ولذا وجب إن يتربى الأفراد والجماعات على حرية الرأي والتجمع ، وكان الخلفاء الراشدون يعيبون الناس إذا سكتوا ، قال رجل لعمر بن الخطاب اتق الله يا عمر فقال عمر : "الا فلتقولوها فلا خير فيكم إن لم تقولوها ، ولا خير فينا إن لم نسمعها" وكلمة اتق الله تشمل النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهذا كله يقتضي حرية التعبير.
ولذلك صارت الشجاعة من مستلزمات حرية الرأي فلا حرية لرأي ، إذا لم يكن الناس على قدر كاف من الشجاعة والجرأة والجسارة ، لا بالخوف والتهيب من ذوي السلطان، يراكم حشرات الضعف والجبن ، فلا يستطيع الإنسان إن يأمر بمعروف ، أو ينهى عن منكر ، وهذا أمارة هلاك الأمة ، وقال النبي صلى الله عليه وسلم " إذا رأيت أمتي تهاب إن تقول للظالم لم فقد تودع منها ".
والأمر بالمعروف النهي عن المنكر ، وهو باب واسع يشمل (معارضة) كل ما يخالف الإسلام ، وهو أمر عام لكل إنسان استناداً إلى قوله تعالى " ولتكن منكم امة تأمرون بالمعروف تنهون عن المنكر" (آل عمران:104). وقوله " كنتم خير امة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر " (آل عمران:110) وقول الرسول صلى الله عليه وسلم ( من رأى منكم منكر فليغيره بيده فان لم يستطع فبلسانه فان لم يستطع فبقلبه ، وذلك اضعف الإيمان "
فأوجب الله على أهل العلم وعرفاء الناس ، من دعاة القسط و الإنصاف إن يقودوا مراكب أصلاح مجتمعاتهم ، وان يجهروا بالحق ، مستشعرين بأنهم محاسبون عن هذه الحرية ، التي يجب إن يوظفوها لنشر الحق والعدل والدعوة إلى الله ، قال تعالى " الذين يبلغون رسالات ربهم ، ولا يخشون احداً إلا الله وكفى بالله حسيبا".
ولذلك قرنت النصيحة بالبيعة ، كما في حديث جابر رضي الله عنه " بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة والنصح لكل مسلم "( رواه البخاري ومسلم والنسائي) .
وحذر تبارك وتعالى من كتمان العلم ، وتوعد الذين يداهنون ويراجعون ويخافون غيرها ،أو يبحثون عن رضاه قال تعالى " وإذ اخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه" ، ثم بين جزاء من يسكتون عن الحق فقال " إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس ، أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" وقال الرسول صلى الله عليه وسلم " من كان عنده علم فكتمه الجم الله بلجام من نار يوم القيامة" ( رواه أبو داوود والترمذي وابن ماجه واحمد) .
وهذا إلزام لأهل العلم وعرفاء القوم خاصة ، وسائر الناس كافة بحرية القول، وبالجهر بالحق، ولذلك قال الرسول صلى الله عليه وسلم " سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب ورجل قام إلى سلط ابن جائر فأسره ونهاه فقتله".
ب– إقرار الظلم والقمع هو الفتنة لذلك يشرع الجهاد حتى الاستشهاد لصد الاستبداد:
واعتبار الجهر بالمطالبة بالحقوق أمراً لا تحمد عقباه، أو فتنة وفساداً من أعجب العجب، لأن النصوص الشرعية لم تقيد كلمة الحق والعدل والخير، بأن تكون أسراراً أو إضماراً.
فما أحل الله فهو حلال كيف يجعل الغافلون طلاب الحقوق عبر الوسائل السلمية، كالبيان والمظاهرة والاعتصام، والإضراب عن العمل والطعام من الفتن . وهم بذلك داخلون فى الكذب على الله وعلى رسوله، واعتبار أمر من الأمور فتنة أو فوضى أو فساداً في الأرض، لا يكون إلا بدليل شرعي صريح، من المحظورات المحرمات، وكأنها الدعوة إلى الربا والزنا، والخروج على الحكم الشوري العادل بحمل السلاح.
فما أفظع الاتجاه إلى تبرير السكوت عن الانحراف السياسي والاجتماعي، والتعذير لسلطان الجور والقهر، مهما كانت نيات نشطاء (حزب التبرير الإسفنجي ) حسنة، ومهما كان صلاح أفراده الشخصي، ومهما كانت دوافعهم الواقعية، فإنه أكبر أعوان الظلمة، لأنه رسخ في ثقافتنا سلوك التعايش مع انحراف الحكام، وهو تحريف للمقاصد الشرعية، وتأويل فاسد للنصوص الصريحة، وهو يصب في تيار تحليل الحرام، وتحريم الحلال، ولذلك فهو لون من الوثنية السياسية . كما قرر المفسرون فى تفسير آية التوبة " اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً "
فاعتبار مطالبة الأمة السلطان بحقوقها أو ونقدها أخطاه ووعظه وزجره وتقويم انحرافه فتنة، إنما هو بدعة كبرى فى الدين، إنه يشبه أسلوب القاعدين عن الجهاد، الذين رأوا الجهاد فتنة فقالوا «لا تفتنا». فرد عليهم الخبير العليم: ألا في الفتنة سقطوا:
وتزعم أنها فتن × وأنت الفاتن الأكبر
أما الاكتفاء بالهمس في الأذن ، واعتباره من (الحكمة) الشرعية، والموعظة الحسنة المطلوبة، فهو بدعة صريحة ، وتحريف لمفهوم (الحكمة)، لم يسلكه الأنبياء والمرسلون الذين أوتوا الحكمة وفصل الخطاب.
والمصطلحات الشرعية، ومنها (الحكمة) و(الفتنة) لا يجوز تحديد مدلولها بالواقع الفاسد، ولا بالأهواء الشائعة، ولا بالظنون والأوهام، إنها محددة المفهوم والمضمون، بالنصوص الشرعية ومقاصدها وبأحوال الحقل النبوي الراشدي.
ومن جهل النصوص الشرعية، فلينظر آثار أعمال هؤلاء الذين سكتوا عن منكرات الجور والجبر ، هل أدت إلى استقرار العدل والمساواة، وهل قللت من الاستبداد ، أم أفضت إلى تفاقم الفواحش الفساد . فهذه هي الوقائع الشاخصة، ومن أول آيات المسطورة فى الكتاب ، لن يستطيع تأويل آياته المشاهدة فوق مسرح الحياة . هذه سنن الله فى الانسان والاجتماع والطبيعة . وتلك سنة الشريعة . فكيفت تتعارضان؟ والخلاصة أن من ظن أن (الحكمة) في السكوت على ما لا يحقق للأمة سمواً روحياً ومدنياً معاً، فقد أفتى برأيه وخالف الأدلة الشرعية القطعية، وقد فصل الإمام الشاطبي هذه المفاهيم فى كتاب( الإعتصام).وسنفصل مسألة (البدعة) و(السنة) في مقالة أخرى إن شاء الله.