أمر الله عباده بالدعوة إلى الحق، بالحكمة والموعظة الحسنة، فقال: ادعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن، ولذلك ينبغي حسن التأني في مخاطبة الناس، بتقديم الكلام اللين اللطيف، مهما كان المخاطب عاصياً أو ظالماً أو كافراً، فقد أمر الله كليمه موسى وأخاه هارون عليهما السلام بالبدء باللين فقال: فقولا له قولاً ليناً لعله يتذكَّر أو يخشى.
فالحلم والرفق، ولطف الخطاب، هو الأصل في الدعوة، وهو الذي تؤكده الشريعة، ولا ينبغي البدء بسواه، ولا التقليل من جدواه، بل يجب تكراره مراراً، فقلوب البشر ليست أصلب من الصخر، الذي يؤثر فيه حبل السانية الضعيف، حتى يحفر فيه خطاً، يقسم كتلة الصخرة قطعتين: ، كما قال الشاعر:
اطلب ولا تضجرَ من مطلب×فآفة الطالب أن يضجرا
أما ترى الحبل بتكراره×في الصخرة الصماء قد أثرا
ومن المناسب مخاطبة السلطان أياً كان سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً أو قضائيا، بما اعتاد أن يخاطب به، إذا لم يكن في ذلك محذور شرعي، ومن الضروري ذكر محاسنه، والاعتراف بما له من فضل، فالاعتراف بالفضل عين الإنصاف، قال الله تعالى: وأقسطوا إن الله يُحبُّ المقسطين [الحجرات: 9]، والقسط هو العدل في الأقوال والأفعال، قال تعالى: وإذا قلتم فاعدلوا [الأنعام: 152]. " ولا يجرمنكم شنآن قوم ، على أن لا تعدلوا ؛ اعدلوا هو أقرب للتقوى " أفضل مقامات العدل ، وهو العدل عند الغضب والموجدة والعداوة.
ب=ولكن يجب أن تكون الموعظة سرا:
وأسلوب اللين واللطف لا يقصد به الموعظة السرية، كما يتوهم كثير من الناس، فالقول بالبدء بالموعظةة السرية، فضلاً عن القول بتركيز الأمر بالمعروف بها، قول في الشرع بغير دليل، وابتداع صريح في الدين، لا يقول به إلا غاقل عن مبادئ السياسة الشرعية وأساليبها: بغير ما شرع الحكيم الخبير، ينبغي التزام الموعظة السرية فيهما:
الأولى: يجب أن تكون الموعظة سرا في الجانب الشخصي من حياة الفاجر، إذا كان الحاكم مقترفاً في السر بعض الموبقات، كشرب الخمر والزنا واللواط، على أنه لا ينبغي للمحتسب أن يتعرف على هذا المنكر من خلال التجسس على الناس في بيوتهم، أو يرفع ثياب أحدهم ليرى ما تحتها، أو يكشف الغطاء ليعرف ما في الوعاء، إذ الشريعة أمرت بستر عورات الناس، ونهت عن التجسس عليهم قال تعالى: ولا تجسَّسوا [الحجرات: 12] وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ولا تحسَّسوا» (رواه البخاري) وقال عليه أزكى الصلاة والسلام: «من ستر مسلماً ستره الله في الدنيا والآخرة» (رواه مسلم).
الثانية: و يجب أن تكون الموعظة سرا –أيضا- إذا كان المنكر في مجال أسرار الدولة العامة، التي يضر نشرها بمصالح الدولة العليا، ويبين ثغراتها للأعداء في الخارج، وللمنافقين والفوضويين في الداخل.
ج= الموعظة السرية استثناء فمتى يشرع البدء بها:
أحيانا يكون خطؤ المدير أو الأمير والرئيس ناتجاً عن جهل بالأمر. وأكثر ما يكون ذلك في العادات التي يشب عليها الصغير، ويهرم عليها الكبير، كما قال أبو بكر الجزائري: «إن النفس الإنسانية تعتاد القبيح فيحسن عندها، وتألف الشر فيصبح طبيعة لها، فذلك شأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذا ترك ولم يؤمر به ساعة تركه؛ لا يلبث الناس أن يعتادوا تركه، ويصبح فعله عندهم من المنكر، وكذلك المنكر إذا لم يبادر إلى تغييره وإزالته، لم يمض يسير من الزمن، حتى يكثر وينتشر، ثم يعتاد ويؤلف، ثم يصبح في نظر مرتكبيه غير منكر، بل يرونه هو المعروف بعينه» (منهاج المسلم: 88).
ودليل هذا أن أكثر الناس لا ينكرون على الحاكم أن يولي ذوي القربى، بل يرون أن تولية القريب العادل أمر حسن،وقد اعتاد الحكام ذلك حتى صار نقدهم في ذلك مستغربا. وكثير من الأمراء لم يتعودوا إلا المديح والإطراء، فإذا جوبهوا بالنقد أخذتهم العزة بالإثم، من أجل ذلك كان البدء بالموعظةالسرية في هذا المجال حسن، بل هو الأولى، ولا سيما إذا كان الناصح من مخالطي السلطان، أو مِن مَن يسهل عليه مخاطبة الرؤساء، كأن يكون من الأعيان والوجهاء، أو كبار المدراء والعلماء، فإن وجد الناصح استجابة ولو قليلة، واصل مشوارها، وإن وجد إعراضاً أو عناداً وجب عليه الجهر.
إن علامة إنصاف الإنسان، واعتدال مزاجه وحكمته ، هو أن يعدل فى مثل هذه الحالات ، وإذا اضاف الى العدل ، هدوء الأعصاب فى الخطاب ، كان من الدعاة بالحكمة والموعظة الحسنة، فالأسلوب اللطيف يحفز المخاطبين على الإصغاء، ويزيل الوحشة بينهم وبين الناصح، فتصل الرسالة أو توشك، وقد يقتنع المخاطبون ويسمعون ويستجيبون، ويدركون أن الواعظ مشفق عليهم، صادق غير متكلف، ويدركون أن صديقهم هو من صَدَقَهم لا من صدَّقهم، كما قال الله تبارك وتعالى: ومن أحسن قولاً ممَّن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين * ولا تستوي الحسنة ولا السيئة ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم * وما يُلقَّاها إلا الذين صبروا وما يُلقَّاها إلا ذو حظٍّ عظيم [فصلت: 35-33].
وكذلك ينبغي أن يعرف المخطئين، بالمعروف الذي تركوا، والسوء الذي ارتكبوا،
وليست البدء بالنصيحة السرية مشروعا، إلا في مثل هذه الحال، على أنه يشترط أن يأمن الناصح عن نفسه وماله ومرتبته وعرضه من الاغتيال والتشويه والقذف، لأن بعض الأمراء؛ قد يطعن من تحت الخاصرة. لأن كثيراً من أهل الرأي والإصلاح، لا يقدرون على مشافهة الحاكم، ولأنهم لا يضمنون أن تصل مكاتبتهم إليه، ومن هنا لا ينبغي أن يترك الناصح المنكر منتشراً محتجاً بأنه لم يستطع أن يناصح في السر.
د– القاعدة:اجهر فاصدع بما تؤمر:
وللاكتفاء بالموعظة السرية، محاذير ينبغي ادراكها منها:
أن لا يزول المنكر، وتحال نصيحة الناصح إلى سلة المهملات. ومنها أن يساء للناصح، في رزقه ووظيفته، أو جاهه ومنصبه، أو في نفسه وحياته، من حيث لا يشعر ومن حيث لا يدري الناس.
ومنها أنه ربما لفقت له تهمة تصوره بين الناس مجرماً منبوذاً، وتشوه سمعته.
ومنها أن لا يتمكن الناس من معرفة جهاده المدني السلمي، لاتخاذه قدوة وأسوة، بل قد يظنونه من أعوان الظلمة إن لم يكن منهم، ويعدونه راضياً موافقاً، وأخطر من كل من مر أن الناس سيظنون الجور والاستبداد وقمع الحرية السامية والفساد أمراً مقبولاً في الشريعة، لأن علماء الشريعة لم ينهوا عنه.
ولا بدّ للمجاهد المدني، من أن يوازن بين المصالح والمفاسد في النتائج، فليس الفطن من عرف الخير من الشر فحسب، بل هو من عرف أفضل الخيرين وأهون الشرين، كما ذكر ابن تيمية.
فإذا لم يزل المنكر بالهمس، سواء أكان الهمس مقالة أم خطبة أم رسالة ولم تبد علامات إيجابية لأسلوب اللين واللطف، فلا بدّ من أسلوب الجهر واللين معاً، فالمنكرات العامة، أمور مشتهرة ولا يمكن أن تزول إلا بالجهر بإنكارها، على أن الجهر لا ينبغي أن يعدل عن اللين إلى الشدة، ولكن اللين لا يعني التخاذل والضعف، والتهاون والتساهل، قال تعالى: فاصدع بما تؤمر [الحجر: 94]، والصدع لا يعني الغفلة عن حسن الأدب، ولكنه يعني وضع العواطف الثائرة ، والموضوعات الصعبة ، فى عبارات هادئة.
ولذلك نص الفقهاء على البدء بوعظ الظالم «بما يرقق قلبه، بذكر ما ورد في الشريعة، من مواعظ الترغيب والترهيب، فإن لم يحصل امتثال، استعملـ[ـت] عبارات التأنيب والتعنيف والإغلاظ في القول» (الجزائري: المنهاج: 90).