عبد الستار قاسم
تَتَكتم الأنظمة العربية على الكثير من المخازي التي تقترفها بحق الأمة العربية وشعوبها، وتحاول دائمًا الظهور بمظهر المخلِص والحريص من خلال دعايات إعلامية، أو بعض الأعمال الهامشية التي تعطي انطباعًا محمودًا على المستوى الجماهيري؛ فمثلًا تتآمر أنظمة عربية كثيرة على المقاومة العربية والإسلامية، لكنها تملأ الدنيا صراخًا حول أكياس الطحين وصناديق الأسبرين التي ترسلها للأشقاء في لبنان وفلسطين، وقفت أنظمة عربية كثيرة إلى جانب إسرائيل ضد حزب الله، ومع إسرائيل ضد غزة، لكنها استأسدت عندما وضعت الحرب أوزارها وجاء دور الإغاثة بالطحين.
أنظمة لا تتحدث عن مخازيها، لكنها تسهب في الترويج لأعمالها الخيرية التي لولاها لمات الأشقاء واختفى الأحبة.
يأتي عادة دور الإعلام الغربي والإسرائيلي، وتصريحات بعض المسئولين الغربيين والإسرائيليين ليقولوا لنا عن حجم التعاون الذي تقوم به الأنظمة المسمَّاة بالمعتدلة مع أجهزة الأمن والمخابرات الإسرائيلية والغربية عمومًا، تقع الأنظمة العربية بعد ذلك في سوء أعمالها وتبدأ بالتبرير والتهرب، أو تعترف بوقاحة كما بات يحصل في السنوات الأخيرة.
أذكر تمامًا عندما قامت المخابرات الأردنية باعتقال أستاذ الاقتصاد في الجامعة الأردنية عام 1978/1979 لأنه نشر مقالًا بالخطأ في جريدة الرأي الأردنية نقلًا عن جريدة الفجر الفلسطينية حول زيارات الملك حسين لإسرائيل، اعتقلوه وأهانوه على اعتبار أنه يقوم بنشر أكاذيب تضلل الجماهير المهتدية، لكن تبيَّن بعد ذلك وباعتراف رسميّ أردني أن الملك كان قد زار إسرائيل مرارًا وتكرارًا، وراحت على الأستاذ الذي لم أعدْ أذكر اسمه، أو ربما اسمه إسماعيل.
كان قد تردَّد في مرحلة السبعينيات أن الملك حسين كان يعمل لصالح وكالة المخابرات الأمريكية (سي آي إيه)، وكان النظام يبطش بكل من يأتي على ذكر الموضوع، نشرت جريدة واشنطن بوست عام 1975 قائمة بأسماء عملاء سي آي إيه الأردنيين في الضفَّتَيْن، وكان اسم جلالة الملك المعظم على رأس القائمة.
عندها وقف مدير التليفزيون الأردني وأعطى تصريحًا رسميًّا بأن الملك قد تعاون مع سي آي إيه وحصل على أموال من أجل الشعب الأردني، وتردد أيضًا أن الملك كان قد تعامل مع إسرائيل مباشرةً وبالأخص بخصوص حرب عام 1973، وأنه نقل لإسرائيل أسرارًا حول الحرب، نفى النظام ذلك إلى أن جاءت مرحلة الفضائيات، ونشرت صور طائرة الملك تهبط بمطار اللد ويلتقي جولدا مائير، عندها اعترف النظام بأن الملك قد نقل المعلومة بأن سوريا ومصر ستهاجمان إسرائيل، لكنه لم يحدّد الموعد، طبعًا هو لم يستطع تحديد الموعد لأنه لم يكن يعلَمُه.
حتى الآن لم يقلْ لنا النظام الأردني عن سبب دخوله حرب عام 1967، وربما هو ينتظر الفضيحة حتى يتفوَّه بالحقيقة، أنا أجتهد وفق ما لديّ من قليل من المعلومات: أمريكا وعدت الملك أن عرشه سينتقل إلى دمشق إذا خاض الحرب وسلم القدس، أي أن المسألة كانت مقايضة: الشام مقابل القدس، لكن الشام لم تسقط، وخاب الانقلاب العسكري الذي تم تدبيره خلال الحرب، والذي دفع الثمن هو الشعب الأردني وأرامل ويتامى الجنود الأردنيين البواسل الذين استشهدوا، ولم يتوانَ النظام الأردني عن الاعتراف بإسرائيل وفتح سفارة لها في عمان على الرغم من أنه هو الذي سلم الضفة ومن مسئوليته استعادتها، شعوب عربية كثيرة ومنها الشعب الأردني تعاني منذ عشرات السنين لأن حضرة النظام له حلم بإقامة مملكة عاصمتها دمشق.
على شاشات التلفاز ووسائل الإعلام، يذرف النظام الأردني ومعه أنظمة عربية أخرى شريكة في الجرائم الدموع على القدس ويشنون الحملات ضد تهويدها، هل الذي سلم القدس يريد استعادة القدس؟ وهل أمريكا ستستمع لقادة عرب وفلسطينيين وتضغط على إسرائيل لتوقف إجراءاتها في القدس؟
ما حدث في أفغانستان ليس غريبًا على المخابرات الأردنية ، لقد انكشف دور المخابرات الأردنية بشكلٍ فاضح، وبطريقة تبين مدى غباء المخابرات الأردنية وسذاجتها، ولم تتعلم المخابرات تمامًا وبقيت تتكتم على اسم رجل المخابرات الأردني الذي قتل في العملية، (هل هو أحد أفراد الأسرة الحاكمة؟) النظام الأردني شريكٌ أساسي في كل معارك أمريكا وإسرائيل في المنطقة العربية الإسلامية، وهو يشارك حيث تريد له أمريكا أن يشارك، إنه شريك في ملاحقة كل العرب الذين يمكن أن يشكلوا خطرًا على إسرائيل، وفي ملاحقة المقاومة العراقية، أو المقاومة السنية في العراق حيث تشير تقارير كثيرة إلى أن المخابرات الأردنية كانت الأداة الرئيسية في قتل الزرقاوي.
ما تتحزنوا يا مخابرات أردنية، مخابرات عربية كثيرة تقوم بذات الدور المخزي الذي تقومون به، وحتى يكون حزنكم خفيفًا، أروي لكم أن عناصر من منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان إبان ما كان يسمى ثورة كانوا يتعاملون مع سي آي إيه بمعرفة رئيس المنظمة، ولكننا تقدمنا عنكم خطوة الآن في أننا نعمل مع سي آي إيه علنًا، وهي نفسها تقوم بتجنيد عملاء فلسطينيين وتدريبهم عيانًا بيانًا وأمام الناس، كثيرة هي المخابرات العربية التي لا تستطيع المزايدة عليكم أو المناقصة، فأنتم جميعًا شركاء في عارٍ يجرُّ الأمة جرًّا إلى أوحال الهزائم، ومن المهم ألا تغضبوا على تعابير الخزي لأنكم لو لم تَرَوْا في أعمالكم خزيًا لأعلنتم ولما خجلتم ولما انتظرتم فضائحكم أن تأتي من الغير.
لكن هل سأل أحدُكم نفسَه قبل أن "يتكوبس" في نوم: هل تستحقُّ المتع التي تحصلون عليها خيانة الأمة؟ الواحد منكم، ليس في المخابرات الأردنية فقط وإنما في أغلب الأنظمة العربية، يخون زوجتَه وأمه وأباه، ويتاجر بدماء الناس من أجل أن يعلو الْهُبَل الأمريكي ومعه القزمُ الصهيوني، ألا تفكرون في أعمال مشينة تسحقُ أمة بأكملها وتجعل منها مطية لمن امتطى؟ وإذا كانت الأنظمة خائنة، فهل من واجبكم الوطني والقومي أن تخونوا؟
أعمالكم حبلُها قصير، فأفيقوا على أنفسكم قبل أن تسحلكم الشعوب، هذا زمن يدور، فلا الأنظمة باقية ولا المخابرات، والحق يعلو ولا يُعلى عليه.
المصدر / الإسلام اليوم
|