يطلق مصطلح "المجتمع المدني" على: "المجتمع الذي يتمتع بسلطات مستقلة لإدارة مسؤولياته الإنسانية".
"المسؤوليات الإنسانية" هي أي شأن ذو طبيعة سياسية أو إقتصادية أو إجتماعية أو فكرية تؤثر في المجتمع أو هي من ضمن نسيجه و ذات طبيعة غير ربحية. مثل الأعمال الخيرية و الأحزاب السياسية و المؤسسات الدينية و التجمعات العائلية و العرقية. كل تنظيم لا ينضوي تحت مسؤولية حكومية جزئيا أو كليا غير ربحي هو ضمن إطار مفهوم المجتمع المدني. "سلطات مستقلة" تعني حرية المجتمع من القيود لممارسة إدارة مسؤولياته الإنسانية داخل حدود القانون. هذا يعني أن المجتمع المدني يخضع لسلطة القضاء و لكن ليس لسلطة الدولة. و بالتالي فأن وجود نظام قضائي مستقل عامل محوري لوجود المجتمع المدني من الأصل. إستقلال القضاء يستلزم بالضرورة إستقلال السلطة التشريعية و السلطة التنفيذية.
في أرض الواقع، يتم تطبيق هذا المفهوم تقليديا بإنشاء "مؤسسات المجتمع المدني" التي يجب أن تفهم أن ماهي إلا شكل من أشكال تطبيق هذا المفهوم الأوسع دائرة. المجتمع الذي يفشل في أن يتحول إلى مجتمع مدني سيفقد سلطات و قدرات ضرورية يحتاجها لضمان تقدمه و تطوره و سوف تصادر حقوقه أو تضمحل و يتحول إلى "مجتمع برجوازي".
المجتمع البرجوازي هو المجتمع الذي تحكمه طبقة مسيطرة على الموارد الإقتصادية و على الموءسسات الإجتماعية و التنموية و مسيطرة كذلك على مركزية إتخاذ القرار و التخطيط و الرؤوية المستقبلية. الذي يدعو هذه الطبقة للسيطرة هو المحافظة حسب إعتقادها على امتيازاتها و نفوذها. من هنا تكمن أهمية السعي لإنشاء و رعاية المجتمعات المدنية و المحافظة على قيمها و تقاليدها. فالمسألة ليست فقط مسألة التمتع بمميزات المجتمع المدني بل و للهروب أيضا من الوقوع في مجتمع برجوازي.
لا شك أن المجتمع المدني يقدم هيكلة مناسبة للتنمية و التقدم للدول. فالتنمية و التطوير و التخطيط عمليات حركية متغيرة و تتطلب الكثير من الديناميكية لمجارات المتغيرات الكثيرة مما لا يجعل الحكومة و لا المؤسسات الحكومية قادرة على تفهمها أو الوفاء بمتطلباتها. فهذه المؤسسات الحكومية نظم بيروقراطية لا تمتلك المرونة و لا التطلعات. إن الزج بخطط التنمية و التطوير بين جدران البيروقراطية الحكومية هو بمثابة إلغائها أو تعطيلها لفترة كافية للتغيرات الخارجية لتهميش أهميتها.
لقد أثبتت التجارب الانسانية أن النظم الحكومية غير قادرة حتى على ضمان الحد الأدنى في كثير من الأحيان من المتطلبات الأساسية للمواطنين فضلا عن المتطلبات الإضافية. فالدول التي كانت تتصدر لتقديم الخدمات من الكهرباء و الماء المواصلات و الاتصالات فشلت في تقديم خدمات ترتقى للحد الأدنى من الجودة. الفساد المالي و الإداري و المحسوبيات و البيروقراطية و الروتين و الإفتقاد للرؤية و التخطيط هي أمور لا تستطيع الحكومة تفاديها. ببساطة لأنه ليس من تخصصها. فالحكومة دورها الأساسي هو إدارة الشؤون الأساسية لضمان أن تقوم السلطات الثلاث بعملها و ضمان بيئة مناسبة يستطيع المجتمع المدني فيه أن يقوم بعمله.
هناك مميزات كثيرة للمجتمع المدني لا يمكن حصرها كقدرتها على التواصل و التجدد و بخضوعها للمسائلة المستمرة و لحركيتها و قدرتها على سرعة التشكل مع الظروف المحيطة و قدرتها الكبيرة على حماية الأفراد من التعسفات الدينية أو القبلية و العرقية و المحافظة على نسيج المجتمع المترابط.
|